وصلتني هذه القصة على البريد.. من أخ قريب.. حدّ التوأمة!
جزاك الله خيراً أخي.. ومن الأعماق.. على كل شيء!
القصة..
جلست أتأمل خطيب الجمعة يرفع يديه بالدعاء قبل أن يصعد المنبر، ألقى السلام وجلس، وبدء المؤذن برفع الأذان الثاني .
أحسست أنني نمت، ولكن عيني كانتا مفتوحتين، وكان فكري متوقفا تماما، أشبه ما يكون بانقطاع الكهرباء الفجائي الذي يميز وطني. فجأة انتبهت إلى كلام الخطيب، كان يعقد مقارنة بين المؤمنين والمؤمنات من جانب، والمنافقين والمنافقات من الناحية الأخرى، وقد أفاض في شرح الفرق بين كلمة (من) الواردة بحق المنافقين وكلمة (أولياء) الواردة بحق المؤمنين، ثم انتقل إلى استعراض تاريخ التعاون بين المؤمنين والمؤمنات من لدن أسماء رضي الله عنها ودورها في الهجرة إلى…انقطاع آخر في الذاكرة، وغيبوبة أخرى، أفقت لأجد من حولي يقفون في الصف استعدادا للصلاة، لم يسبق أن حصل معي شئ كهذا…
عدت بعد الصلاة إلى المنزل أحس بالتعب والشرود، وما إن جلست حتى هاجمني النعاس، وراودتني نفسي أن أستسلم له. عاتبتها وقلت لها يا نفس ألا تستحين أن تستسلمي وقت المعاش، لعدوك الذي جفاك وقت اللباس منذ فترة طويلة ؟ دافعته وحاورتها ..لكنني هُزِمت…نعم هُزِمت واستسلمت .
رأيت فيما يرى النائم يا سادة يا كرام:
رأيتني أجلس في ملعب كبير، منكر الشكل، تغص مدرجاته بالوجوه، بعضها أعرفه وأكثرها أنكره، كانت الأجواء تدل أن لعبة ستجري الآن، والكل ينتظر الفريقين لدخول الملعب. بينا أنا أحاول أن أتبين اللعبة التي ستجري إذ بالفريقين يدخلان أرض الملعب، والجميع يلبسون ثيابا غريبة، أشبه بعدة القتال، حينها تبينت أن اللعبة هي معركة كرة القدم الأمريكية (الركبي)، وتعجبت من جلوسي في المدرجات، فأنا أمقت هذه اللعبة بكل ما فيها، وأكرر: بكل ما فيها.
اصطف اللاعبون، وفجأة رأيت فتاة صغيرة، لا ترتدي إلا ثياب براءتها، تقدمت إلى منتصف الخط وأحاط بها اللاعبون. تملكني الخوف، كيف يمكن لفتاة كهذه أن تصارع في لعبة الوحوش هذه؟ كانت تبتسم كأنها في نزهة سعيدة، وكان الذين حولها يشجعونها للمضي، صرخت بهم أما تخافون الله؟ كيف ترمون هذه البراءة بين أنياب الوحوش؟ ضحك الجميع من مقالي ومن جهلي. أمعنت النظر فإذا بي أتعرف إلى الفتاة: إنها أختي البراءة الصغيرة!!!!
هببت من مكاني وصحت أن توقفوا، ولكن يا للهول، أحاط بي عشرات الرجال الغلاظ الشداد، وكبلوني ورموني في مقعدي، جاهدت للفكاك من قيد معصمي، إلا أنه أدمى قلبي وما استطعت منه فكاكا، صحت فيهم أما فيكم رجل رشيد؟ فما زادهم إلا ضحكا وسخرية، وراح لساني يلهج بالدعاء: رب سلّم، رب سلّم، رب سلّم.. وتمنيت أن أستيقظ من نومي….
تهيأ اللاعبون للمعركة، وأقسم أنها معركة، وما كان لها أن تكون لعبة، وتقدمت البراءة لتقف في منتصف الخط كأنها ستقود الحرب،وأمسكت بيدها الكرة، التي لم تكن أبدا تشبه الكرة، وكان بجانبها وجه معروف لدي، وقف بجانبها ليدعمها، يدافع عنها ويؤازرها، وما إن أطلق الحكم صافرته حتى انسحب هذا البطل ليقف خلفها يتقي بها الضربات. صدمت لهول المنظر وشدة المفاجأة، وأنكرت هذا الوجه، فأبى إلا أن يزيد من حيرتي لكأني به يحترف المفاجآت، إنقلب الحارس الأمين الذي عاهد الله على حمايتها إلا أن يحاط به، إنقلب إلى وحش أنشب أظفاره وأسنانه في عنق البراءة، وتعجبت، من أين أتت هذه المخالب والأنياب؟
قاومت أختي بكل ما أوتيت من براءة، إلا أن البطل صرعها أرضاً وأمعن في نهشها، ولم يتركها إلا بعد أن ظن أنه نال منها، وتوقفت عن الحراك. حاول أن يأخذ من يدها الكرة فلم يستطع، لقد احتضنت الكرة بكل جوارحها، فما استطاع لها فكاكا، ولم تكن الكرة تشبه الكرة…
لحظات عصيبة مرت، فتكت بأعصابي، جددت المحاولة لكسر القيد، ولكن عبثاً ينكسر، لم ينكسرإلا قلبي.
فجأة عاد جسد البراءة يتحرك، يتململ، يحاول النهوض، محتضنا الكرة، التي لم تكن تشبه الكرة….
ما إن وقفت البراءة مترنحة، حتى انطلقت من جديد نحو الهدف، دون التفات إلى الجراح النازفة، كانت تبدو أكثر ضعفاً، و ربما أكثر قوة، لا أدري، لكنني على يقين أنها كانت أكثر تصميماً.
إنطلقت أختي المصممة، وكان الناس يضحكون من حطامها، ويتغامزون، إلا فرد واحد (من) الفريق، تقدم لمؤازرتها، فاستأنست به، لكن سرعان ما أستل سكينا وطعنها في الخلف، و وقف يمرغ وجهه وكفيه بالدماء الزكية الدافئة، ويحاول أن يسلبها الكرة، التي لم تكن تشبه الكرة…
ترنحت أختي المصدومة، إلا أنها لم تقع، تماسكت ولم تقع، ويا لهول ما رأيت، لقد عادت الجراح القديمة التي كادت تندمل، عادت هذه الجراح تنزف مع الجراح الحديثة، فأنى للبراءة أن تنجو؟
مزيد من الصراع مع قيدي، ومزيد من الآلام في قلبي قبل رسغي، وأحسست أن القيد بدء يتهاوى، وعيوني مسمرة على البراءة، التي تمسك بالكرة، التي لم تكن تشبه الكرة….
أنطلقت المتوكلة من جديد، جميع جراحاتها تنزف، وهي مشغولة عنها، وكلما مرت بلاعب جريح، كانت تبلسم جراحه بلمسة حانية، وهي أحوج منهم جميعا لمن يبلسم جراحها، ولكن هيهات هيهات، كلما انطلقت تصدى لها لاعب شهم فأعاد سيرة من سبقه، فريق بعضه من بعض، فأين الأولياء؟؟؟
أحسست بالدماء تغلي في عروقي، فشددت على قيدي فانكسر، وانطلقت نحو الملعب، أخترق الحدود، علّي أنجدها أو أضمد جراحها، أو أمسح دمعتها بجهد المقلّ، وناديتها : براءة براءة، أنا هنا، أنظري فقد جئت لنجدتك وحمايتك. حين اقتربت منها أشاحت بوجهها عني ولم تلتفت عن هدفها، وكلمتني قائلة: إليك عني فلست أحتاج أحداً، دعيني أساعدك فالأعداء يحيطون بك ، أجابتني : ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ إن رحت فهي معي لا تفارقني. والله لن أترك رسالتي حتى أبلغها أو أهلك دونها .
ألا تريدين مني شيئاً؟ قالت : دعواتك ………أفقت وصوتها يجلجل في أذني:
دعواتك….دعواتك….دعواتك…
~ البداية ~
* هذه القصة مستوحاة من الواقع .
** قمت بسرد ما رأيته دون زيادة .
*** كل تشابه في الأسماء والوقائع هو محض القصد .
**** جميع الحقوق … مهداة إلى أختي ….العظيمة
خاص لقدوة \ 3\2\2010 |