نالت قضية الوطنية حظا وافرا من الجدل والدندنة في العصر الحديث ، فقد اختلف القوم: هل الوطنية بمعناها الحديث من معطيات الإسلام ومستوجبات الشريعة الإسلامية أم أنها جاءت إلينا من بلاد الفرنجة ثم دُقت لها الأوتاد بقوة حيث أراد لها من يريدون الإضرار بأمة الإسلام ويبغونها عوجا ....
وسواء أكان الحق مع هذا الفريق أم مع ذاك فإن الذي لا مراء فيه هو أن الانتماء للأرض وللوطن جِبْلة جعلها الله في خلقه من البشر وغيرهم ، وعادة كل مخلوق غالبا أن ينادي :
وما أبغي سوى وطني بديلا ... وما أبهاه من وطن شريف .(1)
والوطنية أدعى أن تكون راسخة عند ذوي العقول وأولي العلم ؛ لأنها من سمات الإنسان الاجتماعي ، ناهيك عما تؤسسه في صاحبها من أخلاقيات تابعة مثل الحَميّة والإباء ، وقوة القلب والشجاعة ، والمروءة والمعاونة إلى غير ذلك من الصفات الراقية...
ولذا فليس عيبا أن ينتمي الإنسان إلى بلده ، وليس بعيبٍ أن يرجوَ فوز موطنه في صغير أو كبير ، وفي قليل أو كثير ....
لكن العيب كل العيب ألا يفرق الإنسان العاقل بين الوطنية الطيبة(النافعة) وبين الوطنية المُنتنة (النافقة ).
إن الشَّيْن كل الشَين ألا يميز الفرد بين تعصب طيب تدفعه حرارته وضياؤه ، وبين تعصب خبيث تحرقه ناره وتلطمه ظلماته .
ماذا ترون فيمن لا يفرق بين موقف يلعب الخلق فيه ، وبين موقف يعمل الناس له؟؟
" دعوها فإنها منتنة "(2)
لقد قالها رسولنا المعلم القائد حينما كسع ( ضرب ) مهاجريّ أنصاريًا فتنادى الأنصاريّ : يالَلأنصار ، وصرخ المهاجري : ياللمهاجرين ....، وكان المهاجرون قد كثروا ، فلما تنادى الناس وتمايزوا من أجل هدف دنيّ - هو مجرد التناوش والمشاحنة - انطلقت الكلمات الحكيمة قوية لا تأويلَ فيها ولا ملاينة ، انطلقت من النبي الحكيم – صلى الله عليه وسلم – لتعلن أننا أمة واحدة تجمعنا غايةٌ سامية ، وأهدافٌ راقية ، ولذا لابد أن تكون حياتنا كلها بأفعالها وأقوالها راقية وسامية بنفس الدرجة ، فلا مكان فيها لشيطان يفسد ، أو لنفس آثمة تحرض " إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم " ( 3)إن ما يحدث من التجاوزات التي لا حدود ها على أصعدة مختلفة من أجل رياضة من الرياضات - من يصفقون لها بلا فائدة تعود عليهم أكثر ممن يمارسونها - لا يضاف إلى رصيد العقلاء أبدا ... فما معنى أن تُشحن دولٌ بكاملها أفرادا ومؤسساتٍ ، وأجهزة وقيادات بجو انفعالي لا يُرى في أشد حالات الدولة والأمة توترا ؟؟!!
والله لقد صدق القائل : " نحن أمة تحارب في اللعب وتلعب في الحرب ...!!"
لقد استطاعوا أن يجعلوا انفعالاتنا ألعوبةً يوجهونها بقوة نحو الهزل ، نعم فمن أجل ( كرة ) يسري في عروقنا كلنا الدم الحار سريانا عجيبا ، يضخونه مستثمرين رصيد الانتماء الوطني في وجداننا ؛ بحيث لو رأى الواحد منا واحدا ( من هذا العدو اللدود الذي سوف يلاعب فريقنا الكروي ) مزقه إربا إربا ، وليس هذا الكلام ضربا من التجني أو التجاوز بل هي الحقيقة المرة التي حدثت وتحدث بشكل فاضح ينبي عن مدى تأخرنا وتهافت عقولنا ، وبعدنا عن ثوابتنا ...
قال صلى الله عليه وسلم " سيصيب أمتي داء الأمم: الأشر والبطر والتكاثر والتشاحن في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي" أخرجه الحاكم ..
يأ يها الناس ، إن كان الغرب يتعصب للعب فهو ليس لنا بقدوة في أمر كهذا ، وليكن لنا قدوة في تقدمه العلمي والتقني ، ليكن لنا قدوة في نظم العمل وانضباط الحياة العامة ، ولنضع أعمال الغرب في غربال العقل و ميزان الدين ثم لنأخذ منه النافع دون غيره ...
برقيات إلينا :
- كلما اتسعت مساحة العقل اتسعت مساحة الوطن .
- نحن المسلمين وطننا الأول ديننا ...
- ما الذي تنتظره وأنت تسير خلف السفيه ؟
- فرق كبير بين ما رأيناه من التفاعل مع الحدث الوطني العظيم ( المباراة الكروية بين بلدين عربيين ) وبين ما عايناه من أجل مباراة أهل غزة مع إسرائيل ....
- يا أخي في الهند أو في المغرب .... أنت مني أنت لي أنت بي
لا تسلْ عن عنصري عن نسبي .... إنه الإسلام أمي وأبي (4)
وأخيرا
لك الله يا ( وطني )...
شكرا لكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لميسون بن بجدل الخزاعية زوج معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه .
(2) نص الحديث من صحيح ابن حبان : أخبرنا أبو يعلى قال : حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار : عن جابر بن عبد الله قال : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري : يا للأنصار وقال المهاجري : يا للمهاجرين قال : فسمع النبي صلى الله عليه و سلم ذاك فقال : ( ما بال دعوى الجاهلية ) ؟ ! فقالوا : يا رسول الله رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار فقال : ( دعوها فإنها منتنة ) ..."
(3) جزء من خطبة الوداع . (4) من قصيدة (مسلمون مسلمون) للدكتور يوسف القرضاوي .
خاص لقدوة \ 23\11\2009 |